ابن كثير

82

البداية والنهاية

فحصدوهم عن اخرهم ، ولم يبق منهم بقية . وجرحوا عثمان بن نهيك بسهم بين كتفيه ، فمرض أياما ثم مات ، فصلى عليه الخليفة ، وقام على قبره حتى دفن ودعا له ، وولى أخاه عيسى بن نهيك على الحرس ، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية من الكوفة . ولما فرغ المنصور من قتال الراوندية ذلك اليوم صلى بالناس الظهر في آخر وقتها ، ثم أتي بالطعام فقال أين معن من زائدة ؟ وأمسك عن الطعام حتى جاء معن فأجلسه إلى جنبه ، ثم أخذ في شكره لمن بحضرته لما رأى من شهامته يومئذ . فقال معن : والله يا أمير المؤمنين لقد جئت وإني لوجل ، فلما رأيت استهانتك بهم وإقدامك عليهم قوي قلبي واطمأن ، وما ظننت أن أحدا يكون في الحرب هكذا ، فذاك الذي شجعني يا أمير المؤمنين . فأمر له المنصور بعشرة آلاف ورضي عنه وولاه اليمن . وكان معن بن زائدة قبل ذلك مختفيا ، لأنه قاتل المسودة مع ابن هبيرة ، فلم يظهر إلا في هذا اليوم . فلما رأى الخليفة صدقة في قتاله رضي عنه . ويقال : إن المنصور قال عن نفسه : أخطأت في ثلاث : قتلت أبا مسلم وأنا في جماعة قليلة ، وحين خرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبت الخلافة ، ويوم الراوندية لو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا . وهذا من حزمه وصرامته . وفي هذه السنة ولى المنصور ابنه محمدا العهد من بعده ودعاه بالمهدي وولاه بلاد خراسان وعزل عنها عبد الجبار بن عبد الرحمن ، وذلك أنه قتل خلقا من شيعة الخليفة ، فشكاه المنصور إلى أبي أيوب كاتب الرسائل فقال : يا أمير المؤمنين أكتب إليه ليبعث جيشا كثيفا من خراسان إلى غزو الروم ، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت فأخرجوه من بلاد خراسان ذليلا . فكتب إليه المنصور بذلك ، فرد الجواب بأن بلاد خراسان قد عائت بها الأتراك ، ومتى خرج منها جيش خيف عليها وفسد أمرها . فقال المنصور لأبي أيوب : ماذا ترى ؟ قال : فاكتب إليه : إن بلاد خراسان أحق بالمدد لثغور المسلمين من غيرها ، وقد جهزت إليك بالجنود . فكتب إليه أيضا : إن بلاد خراسان ضيقة في هذا العام أقواتها ، ومتى دخلها جيش أفسدها . فقال الخليفة لأبي أيوب : ما تقول ؟ فقال : يا أمير المؤمنين هذا رجل قد أبدى صفحته وخلع فلا تناظره . فحينئذ بعث المنصور ابنه محمدا المهدي ليقيم بالري ، فبعث المهدي بين يديه خازم بن خزيمة مقدمة إلى عبد الجبار ، فما زال به يخدعه ومن معه حتى هرب من معه وأخذوه هو فأركبوه بعيرا محولا وجهه إلى ناحية ذنب البعير . وسيروه كذلك في البلاد حتى أقدموه على المنصور ومعه ابنه وجماعة من أهله ، فضرب المنصور عنقه وسير ابنه ومن معه إلى جزيرة ( 1 ) في طرف اليمن ، فأسرتهم الهنود بعد ذلك ، ثم فودي بعضهم بعد ذلك . واستقر المهدي نائبا على خراسان ، وأمره أبوه أن يغزو طبرستان ، وأن يحارب الأصبهبذ بمن معه من الجنود وأمده بجيش عليهم عمر بن العلاء ، وكان من أعلم الناس بحرب طبرستان ، وهو الذي يقول فيه الشاعر ( 2 ) :

--> ( 1 ) وهي دهلك ( الطبري ابن الأثير ) . ( 2 ) وهو بشار بن برد .